نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

219

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

عَلَى اللَّهِ رِزْقُها فرأيت نفسي من تلك الدواب التي رزقها اللّه تعالى ، وعلمت أن ما هو لي فإنه يصل إليّ فإن اللّه تعالى يرزق الفيل مع عظمه ولا ينسى البعوضة لصغرها ففوضت أمري إلى اللّه فاشتغلت بالعبادة ولا أهتم لغيرها ، فقال له شقيق نعم ما فهمت فما الثانية ؟ قال نظرت في قول اللّه تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فرأيت المؤمنين كلهم إخوة إليّ والأخ ينبغي أن يكون مشفقا على أخيه ، ورأيت العداوة التي تقع بين الناس أصلها من الحسد فاجتهدت حتى أخرجت الحسد من قلبي حتى صار قلبي بحال لو أصاب المؤمن همّ بالمشرق جعلت أهتم حتى كأنه أصابني ، ولو أصاب مسلما خير في المغرب أسرّ به حتى كأنه أصابني . فقال له شقيق نعم ما فهمت فما الثالثة ؟ قال نظرت فوجدت لكل إنسان حبيبا ولا بد للحبيب أن يظهر للحبيب محبته ، فوجدت حبيبي طاعة اللّه تعالى وما سوى ذلك من الأحباء كلهم ينقطعون عني إلا طاعة اللّه فإنها معي في القبر وفي المحشر وعلى الصراط ، فانقطعت عن جميع الأحبه واتخذت طاعة اللّه حبيبا ، فقال له شقيق نعم ما فهمت فما الرابعة ؟ قال نظرت فوجدت لكل إنسان عدوا ولا بد للعدو من عداوته والحذر منه فرأيت عدوي الكافر والشيطان فرأيت عداوة الكافر أيسر لأنه إن قاتلني فقتلني كنت شهيدا وإن قتلته كنت مأجورا ، فرأيت عداوة الشيطان أشد لأنه يراني من حيث لا أراه فيريد أن يجعلني مع نفسه في النار فاشتغلت بعداوته ما عشت وتركت عداوة غيره ، فقال له شقيق نعم ما فهمت فما الخامسة ؟ قال نظرت فوجدت لكل إنسان بيتا ولا بد للبيت من العمارة فرأيت منزلي القبر فاشتغلت بعمارته ، فقال له شقيق نعم ما فهمت فما السادسة ؟ قال نظرت فوجدت لكل شيء طالبا فرأيت طالبي ملك الموت ولا أدري متى يأتيني فاستعددت له كالعروس تزف إلى منزل زوجها فمتى جاءني لا أطلب منه التأخير ، فقال له شقيق نعم ما فهمت إن عملت بها نجوت أنا وأنت . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال « جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا نبي اللّه أخلي ناقتي وأتوكل على اللّه أو أعقلها وأتوكل على اللّه ؟ بل اعقلها وتوكل على اللّه » . ( وقال بعض الحكماء ) : صفة أولياء اللّه تعالى ثلاث خصال : الثقة باللّه في كل شيء ، والفقر إلى اللّه في كل شيء ، والرجوع إلى اللّه في كل شيء . وقال فضيل بن عياض رحمه اللّه : أحب الناس إلى الناس من استغنى عن الناس ولم يسألهم شيئا ، وأبغض الناس إليهم من احتاج إليهم ، وأحب الناس إلى اللّه من احتاج إليه وسأله وأبغض الناس إليه من استغنى عنه ولم يسأل منه شيئا . وذكر أن لقمان الحكيم عليه السّلام لما حضرته الوفاة قال لابنه : يا بني كثيرا ما أوصيتك إلى هذه الغاية وإني لموصيك الآن بست خصال فيها علم الأوّلين والآخرين : أوّلها أن لا تشغل نفسك بالدنيا إلا بقدر ما يبقى من عمرك ، والثاني اعبد ربك بقدر حوائجك إليه ، والثالث اعمل للآخرة بقدر ما تريد المقام بها ، والرابع ليكن شغلك في فكاك رقبتك من ما لم تظهر لك النجاة منها ، والخامس لتكن جراءتك على المعاصي بقدر صبرك على عذاب اللّه ، والسادس إذا أردت أن